مرتضى الزبيدي

9

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

الأقطار هم الأشاعرة أصحاب أبي الحسن الأشعري ، أوّل من خالف أبا علي الجبائي ، ورجع عن مذهبه إلى السنة أي طريق النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والجماعة أي طريقة الصحابة رضي اللّه عنهم ، وفي ديار ما وراء النهر الماتريدية أصحاب أبي منصور الماتريدي تلميذ أبي نصر العياضي تلميذ أبي بكر الجوزجاني صاحب أبي سليمان الجوزجاني ، صاحب محمد بن الحسن ، صاحب الإمام أبي حنيفة . وبين الطائفتين اختلاف في بعض الأصول كمسألة التكوين ، ومسألة الاستثناء في الإيمان ، ومسألة إيمان المقلد والمحققون من الفريقين لا ينسب أحدهما الآخر إلى البدعة والضلالة اه . وقال ابن السبكي في شرح عقيدة ابن الحاجب : اعلم أن أهل السنّة والجماعة كلهم قد اتفقوا على معتقد واحد فيما يجب ويجوز ويستحيل ، وإن اختلفوا في الطرق والمبادئ الموصلة لذلك ، أو في لمية ما هنالك . وبالجملة ؛ فهم بالاستقراء ثلاث طوائف . الأولى : أهل الحديث ومعتمد مبادئهم الأدلة السمعية أعني الكتاب والسنة والإجماع . الثانية : أهل النظر العقلي والصناعة الفكرية وهم الأشعرية ، والحنفية ، وشيخ الأشعرية أبو الحسن الأشعري ، وشيخ الحنفية أبو منصور الماتريدي ، وهم متفقون في المبادئ العقلية في كل مطلب يتوقف السمع عليه ، وفي المبادئ السمعية فيما يدرك العقل جوازه فقط والعقلية والسمعية في غيرها ، واتفقوا في جميع المطالب الاعتقادية إلا في مسألة التكوين ومسألة التقليد . الثالثة : أهل الوجدان والكشف ، وهم الصوفية ومبادئهم مبادئ أهل النظر والحديث في البداية والكشف والإلهام في النهاية اه . وليعلم أن كلا من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور رضي اللّه عنهما وجزاهما عن الإسلام خيرا لم يبدعا من عندهما رأيا ولم يشتقا مذهبا إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأحدهما قام بنصرة نصوص مذهب الشافعي وما دلت عليه ، والثاني قام بنصرة نصوص مذهب أبي حنيفة وما دلت عليه ، وناظر كل منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين . وهذا في الحقيقة هو أصل الجهاد الحقيقي الذي تقدمت الإشارة إليه ، فالإنتساب اليهما إنما هو باعتبار أن كلّا منهما عقد على طريق السلف نطاقا وتمسك وأقام الحجج والبراهين عليه ، فصار المقتدى به في تلك المسائل والدلائل يسمى أشعريا وماتريديا . وذكر العز بن عبد السّلام أن عقيدة الأشعري أجمع عليها الشافعية والمالكية والحنفية وفضلاء الحنابلة ، ووافقه على ذلك من أهل عصره شيخ المالكية في زمانه أبو عمرو بن الحاجب ، وشيخ الحنفية جمال الدين الحصيري ، وأقره على ذلك التقي السبكي فيما نقله عنه ولده التاج . وفي كلام عبد اللّه الميورقي المتقدم بذكره ما نصه : أهل السنة من المالكية والشافعية وأكثر الحنفية بلسان أبي الحسن الأشعري يناضلون وبحجته يحتجون ، ثم قال : ولم يكن أبو الحسن أوّل متكلم بلسان أهل السنّة إنما جرى على سنن غيره أو على نصرة مذهب معروف ، فزاد المذهب حجة وبيانا ولم يبتدع مقالة اخترعها ولا مذهبا انفرد به . ألا ترى أن مذهب أهل المدينة نسب إلى مالك ومن كان على مذهب أهل المدينة يقال له مالكي ، ومالك إنما جرى على سنن من كان